هل حقاً عندما يحزن الشخص فإنه يلجأ للكتابة !
لا أعتقد ذلك ، الحزن يمر بمراحل عديدة ، ليس من ضمنها ـ على الإطلاق ـ ترتيب المشاعر على الورق .!
وتنميقها بحركات التشكيل ، وتطعيمها بالصور والتعابير البلاغية !!
فلنتفق إذن على أن الشخص ـ حتى ولو كان صادقاً ـ فإنه لا يكون حزيناً حال كتابته لنصه الكئيب التعيس !
لا أحد يكتب لاستجداء العزاء ! أو المساعدة ..
أو المساندة العاطفية ..!!
وقد وضح غير واحدٍ منهم ، وعبر عن ذلك !!
ولكنه ـ بالتأكيد ـ يعرف أننا سوف نحزن ، ونكتئب ،
فهل هذا هو المطلوب !
هل يهدف إلى إتعاسنا فقط ؟
من السهل جداً أن أسطر ورقة أو ورقتين أصور فيهما مشاعري وأنا واقف عند قبر جدتي !
أو حزني لوفاة المطربة سوزان تميم !
أو الكاتبة سهير .!
أو أكتب قصة قصيرة تحكي عن موت طفلة !
وبالتأكيد أنني سوف أكسب تعاطفكم ، وبما أننا نخلط كثيراً بين المشاعر ، فسوف أكسب حبكم وإعجابكم !
لا يهمني هنا هل هذه مشاعر صادقة أم أنه حزن مصطنع !
فالاصطناع ـ على كل حال ـ ليس بالأمر الصعب ..
من السهل أن نبدو صادقين ..
الحزن الكاذب ..
الأمر لا يعدو أن يكون واحداً من احتمالين ..
إما أن يكون الشخص ( ماسوشياً ) يتلذذ بلعب دور الضحية ـ على الورق ـ !
يحب أن يظهرَ دائماً بصورة المعاني ، المظلوم ، المقهور ، والمعذب ..
أو أن يكون ( سادياً ) يحب رؤية ملامح الحزن ، والقهر ، مرتسمة على وجوه الآخرين .!
هذه الاحتمالات المَرضية فقط ..
هناك احتمال آخر خارج عن التصنيف السابق ، وهو احتمال لا بأس به على الإطلاق ..
ألا يكون الأمر مرضياً ، ربما هو مجرد حب لعب دور الشخصية الحزينة ..!
عن نفسي أنا ، هناك شخصية شهيرة ربما ،
العازف والموسيقي الشهير ( نصير شمّة ) !!
قسماً بالله يكسر خاطري ، وأراه نموذجاً صريحاً لمن يحب لعب دور الشخصية الحزينة !!
لقد تقمص الدور لدرجة أنني أشعر بالحزن حقاً ، بل وأشعر تجاهه بالرأفة أحياناً !
يهمس في حديثه وكأنه خارج للتو من عملية جراحية في القلب !
يتحرك بثقل ، وكأنه تحت تأثير البنج ..
لا أحد يقاوم سحر الشخصية الحزينة ..
الرقيق الذي يشعر بالأسى على الغلاف الجوي ..
المرهف الذي يؤرقه التصحر في أفريقيا ..
الحساس الذي يبكي لحرائق الغابات في أستراليا !!!
لا بأس ، وفي رواية ما يخالف !!
يصطفلوا
ما يهمني في الأمر هو لماذا يحرص الجميع على إتعاسنا .!!
وما فائدتهم من إدخال الحزن والأسى على قلوبنا ؟
::
للأسف الشديد أنني شاهدت ـ بالصدفة البحتة ـ الكليب الخاص بأغنيتي
( الضمير العربي ، والحلم العربي )
وهو اختيار موفق للأسماء على فكرة لأن من اختار الاسم كأنه يريد أن يقول :
ما هو العامل المشترك بين الضمير والحلم ! النوم طبعاً ..!!
أقول بأنني شاهدت الكليب ، فبكيت حقاً !
بالتأكيد ليس لأني شخص كويس ،
بل هذه هي النتيجة الحتمية لمن يسمع موسيقى حزينة ، بأصوات شجية !!
ويشاهد كليباً يصور أطفالاً يموتون ، وعلى أحسن أحوال بأطراف مقطعة .!
ونساء أحرار يتعرضن للإهانة ، والتحرش .!!!
ما لفت انتباهي هن المطربات المشاركات في الأغنية !
لقد حرصن على الخروج بمكياج سهرة كامل ..
ولبسوا أحدث ما أنتجته دور الأزياء العالمية !
ثم يقنعننك بعد ذلك بأنهن حزينات ، بل ونجحت دمعة في أن تفر من عين واحدة منهن !!
أكرر وأقول ، لا بأس ..
على الأقل هذا هو الواقع ..
بالرغم من أنني لا أعرف فائدة واحدة من عرض صور الضحايا باستمرار ،
هل هذه هي أساليبهم في مخاطبة النخوة والمروءة ..
لأن الطب النفسي يقول : أن الاستمرار في مشاهدة اللقطات التي تصور الضحايا ، والدمار ، والقتل ، يؤدي ـ تدريجياً ـ إلى الاستمراء !!
والتبلّد ..
:
هناك مطرب آخر ،
يحب لعب دور الضحية ..
وهو نموذج يصلح لمناقشته ..
صحيح أنه يملك صوتاً شجياً ، يصلح لأداء أغاني الحب ..
لكن أغانيه أبعد ما تكون عن الحب ..
لاحظوا معي ..
يصور كليباً يلعب فيه دور المهندس الذي يتعرض لحادث قبل زواجه بفترة قصيرة ، ثم يصاب بالشلل ، ويصبح قعيد الكرسي المدولب .!
تتزوج حبيبته شخصاً آخر ..
فيتعسنا طوال الأغنية وهو يخاطبها ..
( بتحبيه زي ما كنت بتحبيني
بتحسيه زي ما كنت بتحسيني
يعني هو بيوحشك زي ماكنت بوحشك
وزي ماكنت بتتمنيني بتتمنيه
وزي ما كنت بتستنيني بتستنيه .! )
ليه التعاسة هذه طيب .!
ما ذنبنا نحن حتى نتعرض لمثل هذه الضغوط النفسية !!
وفي أغنية أخرى أيضاً ، يصور كليباً تموت فيه زوجته في حادث سيارة ،
ويعيش في حزن قاتل هو وابنته .!
( الحلم الكبير ، والبيت الصغير )
لحد هنا والأمور ماشية تمام ..
ثم ترتفع نبرة صوته ، وتصاحبه موسيقى حزينة ..
( كله راح ، كله ضاع ، كله تغير كله تكسر ..
وفضيت علينا الدار ، والوحدة زي النار ..
راحوا اللي كانوا يمسحوا بإيدهم دموعنا .. )
ما الجميل في هذه النوعية من الأشياء ..
القائمة تطول .. مطرب آخر يشكر أناساً لا نعرفهم ،
على الآلام وعلى الجراح ، وعلى اللي عدى واللي راح ..
وفي أغنية أخرى ينبئنا عن كتاب حياته المليئ بالجراح ، ولكنه يحتوي على سطرين من الفرح .!
يغني كل ذلك بصوت مشروخ نشاز ، وبأسلوب نائحات ومولولات العصر الشخشرلي .!
في واحدٍ من المنتديات الكثيرة التي تملأ الدنيا ، يقول أحدهم ـ بالنص ـ :
والله انا احب الاغاني الحزينة جدا جدا
اكثر شي احبه لما اقعد لوحدي او اكتأب..
::
حتى أغاني الأطفال لم تسلم من التعاسة والأسى ..
قناة أطفال موجهة لمن هم دون سن العاشرة ،
يفترض أن برامجها تبعث على التفاؤل ..
مطرب ( باير ) لم ينفع في الغناء ، فأخذ موسيقاه معه ، ونوتاته الراقصة ..
وألبسها ثوب ( النشيد الإسلامي ) ..
يصور كليباً يبدو في بدايته مبشراً بالخير ..
حتى أن ابنتي سارعت للرقص من فورها ..
وبمجرد استماعها للمقدمة الموسيقية الجميلة ،
المسروقة على فكرة من أغنية لمطربٍ لبناني شهير ..
يُنزِل ابنَه أمام المدرسة ، ثم فجأة تصدمه سيارة ..
ويموت ..!!
ليغني بصوته الطفولي :
(بعدي متذكر همساتك من أيام الطفولة ، بعدها رنّة حكياتك ، لون القمر بعيوني )
يا شيخ الله يصد نفسك على هالأغنية وعلى هالتفكير !!
::
هل بدأنا نؤمن حقاً أننا نشترك بذنب ما لا نعرفه ، نستحق عليه العقاب ..!!
وإلا بماذا تفسرون انتشار موضة أغاني التعاسة والشقاء ، ومواضيع الحزن والعزاء ،
وقصائد الرثاء !!
لو لم يكن الطلب هائلاً على مثل تلك النوعية من الأغاني والمواضيع والقصائد ،
لما غزت الدنيا بهذه الغزارة !
ألا نشبه ـ جميعاً ـ ذاك القائل أعلاه بأنه يحب أن يخلو إلى نفسه ويعذبها بالاستماع إلى الأغاني الحزينة ؟
هل هي ثقافة متوارثة !
وإلا بماذا تفسرون مسارعة أي أم للاستغفار بعد كل ضحكة !
وكأنها ذنب !
( اللهم اجعله خير )
كلمة تقولها كل أم ، بعد كل ضحكة .!
خاص موقع يارا صبري كل ما نشر في منبر القراء لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع







