إن من يتابع الأعمال الدرامية المعروضة على القنوات الفضائية العربية يجد قاسماً مشتركاً موجوداً وأصيلاً، لكنه يؤلم ويخيف، فما من عمل رمضاني يخلو من إشارات ورموز وتلميحات، أو من اتصال واضح المعالم وهذا الاتصال الإيحائي أو المباشر قد يكون مسوّغاً، وهو طبيعي في الحياة عندما يأخذ سمت الندية والوعي، حتى وإن لم يكن عبر المؤسسة... لكن ما يؤلم في القراءة والمشاهدة هو ذلك الظلم الذي يقع على الطفولة، سواء كان هذا الظلم جنسياً يتمثل في الاعتداء واغتيال الطفولة وبراءتها، أم كان هذا الظلم اجتماعياً وتربوياً، ومع أن الاعتداء الجنسي يشكل هاجساً صعباً وخطيراً، ويخلف أمراضاً في الجسد والروح يصعب تجاوزها، إلا أن شتى صنوف الظلم لا تقل عن الاعتداء الجنسي قسوة وخطورة، وأمراضها لا تقل إيلاماً حالياً ومستقبلاً. 

 
ما من عمل يخلو من هذه الأفكار في هذا العام، فهذا يقوم على انتقام من أخي الفتاة، فتكون الفتاة ضحية، وذاك يقوم على اغتصاب للطفولة وبراءتها، وثالث يقوم على علاقة شرعية سرية، بعد أن كانت الأعمال في السابق تركز على زواج الآباء والخالة زوجة الأب، اندارت للتحدث عن معاناة الأب عندما يسقط في أتون مشكلة لابنه أو ابنته... لفتني هذا الأمر،
حتى العمل الرومانسي (آخر أيام الحب) القائم على قصة حب ناعمة أزلية، كان بناء قصة الحب يقوم على تحرش جنسي من رب العمل، ولولا هذا التحرش لما وصلت البطلة إلى اللاذقية... والذي يسترعي الانتباه المواقف المتباينة للمشاهدين من هذه الموضوعات، ولا أقول الأعمال كلها، فالمشاهدون، ولأن الأعمال كلها ذات موضوع واحد، أتخموا بهذه المشاهد التي تعدّ من صلب العمل وأساسه، بل ويقوم عليها العمل برمته، فمن الناس من يرفض مثل هذه المشاهد، ومنهم من يتقبلها ويبدأ بالمناقشة، ومنهم من يشاهدها ولا تحرك فيه ساكناً كأن شيئاً لم يكن.. ولكن الذي لا بد من التوقف عنده أن هذه الظواهر الاجتماعية موجودة وبكثرة لافتة زادت مع ازدياد عدد السكان، وليس من المستحسن أن نغض الطرف عنها، ولا بد من رؤية تشريحية قاسية لهذا الواقع الاجتماعي، ومن خلال هذه الرؤية نعرف الأمراض ونسعى للتخفيف منها ومن آثارها إن عجزنا عن التخلص النهائي منها، فالأعمال الدرامية والأعمال الأدبية من قبل لا تلجأ إلى هذا الجانب من التصوير من باب الترف الفكري، ولا تفعله بحثاً عن الألم، بل تفعله تشخيصاً للواقع وبحثاً عن الحلول، وإلا فماذا نفسر القول: إن الدراما تعليمية ومؤثرة؟.
لا شك في أن التلفزيون والدراما من المؤسسات التعليمية الخطيرة والحساسة في حياتنا، والأطفال يتعلمون من الدراما والشاشة أضعاف ما يتعلمون من المدارس والأسر التي يعيشون فيها، لذلك لا بد أن نولي الناحية التعليمية غير الوعظية الأهمية الكبرى. من هنا أرى أن ما قامت به الدراما السورية لهذا الموسم مهم للغاية في وضع اليد على مكان الألم فيه الكثير من الصوابية، لأن الإنسان الحقيقي يتعظ بما يراه وما يحدث حوله.
وما قلته في زاوية سابقة عن مسلسل قلوب صغيرة يدخل في هذا الإطار، فالعمل الاجتماعي المهم - على الرغم من الملاحظات – يسلط الضوء على شريحة من أهم شرائح المجتمع، وتميز عن غيره بمحاولاته الجادة في إسناد الجرم إلى فاعله، إن كان الفاعل رسمياً أو أهلياً، ونتوقع من الجهات الوصائية بعد مثل هذا العمل أن تحدث انقلاباً في مفاهيم العمل الاجتماعي، لكن الطريف ما قاله لي الصديق الفنان سليم صبري، فقد تنبه بعض الناس إلى موضوع قلوب صغيرة وعنايته بالطفولة والمشردين، فاغتنموا الفرصة لجمع تبرعات سخية مستغلين تعاطف الناس مع العمل، فجمعوا أموالاً طائلة لهم.

 

بحثت عن ألم آخر فلم أجد أقسى
كانت الجهات الوصائية غائبة عن هؤلاء الذين تكاد السيارات تدهسهم مع إشارات المرور، وها هي غائبة عندما تسرق حقوقهم.
وهذا ذكرني بالمسحر «حمزة» وهو شاب صغير يقوم بإيقاظ الناس في رمضان، ويقضي ما بعد منتصف الليل ينادي على الناس بالاسم، وبعد أن انتهى رمضان العام الماضي، دار على البيوت، فتبين له أن هناك من سبقه وجمع الأجرة والإكرامية تحت اسمه.. فعاد حمزة خائباً أو بالقليل.. فهل يكون نصيب أطفالنا المشردين أن يقعوا تحت ظلم ثالث، هو السرقة والتسول على أسمائهم ولغير جيوبهم.
وبعد.. هل يستطيع أحدهم بعد ذلك أن يصف أي عمل مهما كان قاسياً بالمؤلم؟
هل المشاهدة أقسى من الفعل؟