الفنانة :نوار ناصر: أنا القوس في لوحاتي ... أعبر منه إلى نصري الخاص
? ليس ثمة أسرار في الحياة ، نحن نصنع أسرارنا ونحن نكشفها إذ نعيش !
? على سطح القماش أمارس حريتي المطلقة ، أتنفس هواء الحرية من وراء الأبواب الموصدة التي أرسمها !
? من موضوع واحد يمكن أن نعبّر عن ألف فكرة .
? يُلحق اسم فنانة ما متزوجة من نجم في المجال نفسه بعبارة " جدير بالذكر أنها زوجة فلان الفلاني " وكأنها هي شخصياً غير جديرة بالذكر !
? مع الأسف : خمسين بالمئة من فنانينا الذين يصنّفون كـ ( عباقرة ) يعتمدون على مراجع ثقافية وحياتية خارجية وكأن بلدنا خال من تلك الرموز .
? أهرب من الرسم باللون ، قد يبدو هذا غريباً ، لكن اللون بالنسبة لي هو عالم مستقل تماماً عن الرسم ، هو حياة خاصة وأسلوب تعبير مباشر وقوي .
? شعرت برغبة في تحقيق بعض العدالة لنفسي .. وكان الرسم طريقي لتحقيق تلك العدالة ....
باب وراء باب ، سر يكشف أسراراً ، حرية تبحث لنفسها عن مخرج من نفق العتمة ، وإذ تجدها في اللون والخط المتماهي معه ، ستعرف أن الأنامل التي جرّحت وجه القماش إنما كانت تستنطقه وجعها وأفكارها ، أحلام حياتها ولون فضائها الخاص ، وربما أيضاً نظرتها إلى حياة بلا أسرار ، وغموض يتكشّف أمام اللون والظل والأبواب المشرعة للريح والشمس والحرية والكلام … لوحات تحمل كلمة أو موضوعاً واحداً : الأبواب المشرعة على الاحتمالات ، والحارات المفضية إلى لاشيء … لا شيء ، ربما ، وكل الأفكار والهواجس والأحلام ستتبدى على سطح اللوحة حاملة همَّ مبدعتها ، ومتعة المشاهدة لرائيها . نوار ناصر الفنانة السورية المرهفة التي عملت عشر سنوات بصمت لتخرج لوحاتها للناس ، وتعرض أعمالها الفنية وأفكارها عبر معرضها الشخصي الثالث ، نوار تشبه جدتها الإغريقية "بينلوب" الحائكة بصمت في انتظار عودة روحها التوّاقة للخلاص ....
متأخرةً ، وصلت لوحاتها للناس ، كانت نوّار تعمل بصمت خلال عشر سنوات ، تمسك ريشتها ، تخلط ألوانها وتمضي عبر أقمشة الرسم لتحكي قصصها وتكشف أسرار نفسها ، رغم اعتقادها أن لا أسرار في الحياة ، وإننا إذ نعيش فإن السرَّ يتكشف باستمرار ما دمنا نسعى وراءه !! . تقول نوّار : ( حين أعمل من وراء الأبواب الموصدة أو الحارات المعتمة أشعر أن ثمة أسرار ستتكشف لي ، رغم أني موقنة أنه لا توجد أسرار في الحياة لأنها ستتكشف مع الوقت ، أنا أخذت القصة من أولها وبدأت أكشف الأسرار واحداً وراء الآخر من وراء الأبواب التي غالباً ما تكون موصدة ـ خاصة في مجتمعنا العربي ـ أنا واضحة وصريحة وأعيش حريتي الداخلية التي أطلقها على سطح اللوحة ، لوحاتي هي أرض أحزاني وأفراحي وهواجسي وحتى غضبي ورفضي لا أعرف كيف أبدأ رسم اللوحة أو لماذا ، لكن دائماً تأخذ الريشة برسم الباب والحارات اللامتناهية الحدود ، هذه التجربة التي ترينها الآن مع معرض السنة الماضية هي نتاج عمل صامت على مدى عشر سنوات وأكثر . أشعر أنني القوس في لوحتي ، قوس النصر ، عرض لوحاتي هو نصري الخاص ، عبوري من خلال الأقواس لإثبات نفسي كإنسانة وفنانة غير مرتبطة باسم شخص أو خارجة من عباءته ، مرتكزة على ثقافة ورموز بلدي وحضارته العريقة أخذت موضوعة الشام القديمة ، الحارات العتيقة والأبواب الموصدة على حكاياتها لأرويها كما خبرتها وعشتها وأشعر نحوها ، هي تغيرت ، صحيح ، لكنها هي ذاتها بالنسبة لي رغم كل ما حدث لها من تشويه وإلغاء متعمد أو غير مقصود . رموزنا الثقافية المعمارية والاجتماعية والتراثيّة مهملة أو مغيّبة في الأعمال الفنية الجادّة ، أو مقدَّمة من وجهة نظر سياحية بحتة ، ومع الأسف فإن خمسين بالمئة من فنانينا الذين يصنّفون كـ ( عباقرة ) يعتمدون على مراجع ثقافية وحياتية خارجية وكأن بلدنا خال من تلك الرموز ، أو كأنها لا تشبع (رغباتهم الفنية) . في سورية ثقافة غنية جداً لم يُعبّر عنها كما يجب من خلال الفن رغم الأعمال التي لا تعدُّ ولا تحصى ، ثقافتي الفنية مستمدة من تراب هذه الأرض حتى الخامات والألوان والخطوط التي استخدمها في اللوحة هي ألوان بيئتنا الأصيلة المغفلة تماماً أو المتجاهلة عمداً ، الشام كما أراها هي مفردات الحياة الفطرية الأولى بمنماتها وزخارف أبوابها وحميمية حاراتها وغموضها المقفل على أسرار حيوات الناس الذي صنعوا جمال المدينة القديمة ولا يستطيعون ـ في جنون هذا العصر ـ أن يحافظوا عليه ، الشام ليست وجهة نظر سياحية كما نراها في أغلب الأعمال الفنية المقدّمة ، هي أعمق وأجمل من هذا بكثير ، ماذا بقي منها اليوم ؟!! مع الأسف لا أحد يريد أن يعترف من هدّم تلك الأحلام التي اختزنتها الحارات القديمة ومن بدّل أبواب البيوت ، في لوحاتي استعادة للزمن الجميل بمعناه الروحي والإنساني وليس المادي أو المكاني فقط ، في أبواب وحارات لوحاتي هناك بشر يحلمون بالأجمل بسكينة مفتقدة وروح ضائعة رغم أنك لن تجدي ملمحاً أو خطّاً يشير إلى بشر في اللوحة لكن الناس موجودون ومختلطون على نحوٍ آسر في طين ولون اللوحة .
عبر الأبواب أخرج إلى حريتي المفتقدة . قال لي البعض أن هناك جرأة كبيرة في رسم أكثر من مئة لوحة حول موضوع واحد هو الأبواب والحارات ، أنا أقول أنني أستطيع رسم ألف لوحة أخرى لأنني ممتلئة بهذا الموضوع ، هو فضائي الآن وحين انتهي منه ربما أفكر بموضوع آخر ، لِمَ نعتبر أن تعدد الموضوعات يغني العمل الفني ؟؟ هذا ليس صحيحاً على الدوام : فمن موضوع واحد ، أو مفردة واحدة يمكن أن نعبّر عن ألف فكرة ، وهذا ما تعمّدته في المعرضين الأخيرين .
تتلمذت نوار على أيدي معلّمين مميزين من رواد الفن التشكيلي السوري كـ "محمود حمّاد" و "فاتح المدرس" و "إلياس زيات" الذين شكّلوا ذائقتها الفنية وأسلوبها في التعبير وحساسيتها المرهفة تجاه الألوان وتشكيلاتها . ( أنتِ مُلوِنة بارعة ) كان الأساتذة يقولون لها !! وبالفعل فإن القاسم المشترك الأعظم والأجمل للوحات نوار هو هذا البحر المترامي من ألوان الحياة القوية ، الواضحة ، والجريئة التي تشبه شخصيتها . تؤكد نوّار : ( اللون خياري التشكيلي ، أحب اللون وأشعر أنه يمثّل طريقة تعبير مستقلة وحاضرة بذاتها ، حين أبدأ الرسم آخذ اللون مباشرة إلى سطح القماش دون رتوش أو مزج أو تركيب ، أنا مُلوِنة بالفطرة ، لذلك أهرب من الرسم باللون ، قد يبدو هذا غريباً ، لكن اللون بالنسبة لي هو عالم مستقل تماماً عن الرسم ، هو حياة خاصة وأسلوب تعبير مباشر وقوي . بالأحمر والأزرق والأصفر والأبيض التي هي أساساً ألوان الحياة أمتلك مفاتيح لوحاتي وأبدأ العمل . الأحمر هو أقرب الألوان إلي ، بالنسبة لي هو لون الحياة ، كل أفكاري الجميلة أعبّر عنها بهذا اللون ، وإذ أشعر بالتشاؤم لسبب ما ينقذني اللون الأحمر فأرسم به من جديد ... حين عشت في بلجيكا عملت معرضاً خاصاً عن أزهار التوليب والغابات ، الطبيعة هناك فرضت نفسها علي بقوة ، وفي المكان نفسه ـ بروكسل ـ رسمت نواعير حماة من ذاكرتي ـ رغم أن حماة مدينة زوجي وليست مدينتي ـ وقتها علّق البعض بأنها من أجمل ما رُسم عن نواعير حماة بألوانها وخطوطها وحركتها ...
نوّار زوجة وأمٌ لثلاثة صبيان رائعين ، هكذا يبدو أولادها الذين تحيطهم باهتمامها لأبعد الحدود ـ ربما هي في ذلك مثل كل الأمهات العربيات ـ تضحك نوّار وهي تعلق : ( أنا أمٌ لأربعة صبيان وليس ثلاثة ، صفوان داحول ـ زوجي ـ هو أصغر أبنائي ويحتاج لرعايتي مثلهم تماماً ) ولكن كم أثّر وجود صفوان داحول الذي حصد شهرة عربية وعالمية مميزة على نوّار الإنسانة والفنانة ، أو بالحري كم تأثّرت هي بارتباط اسمها بنجم كصفوان ؟ هو الذي ـ وأثناء مشاهدتنا للمعرض ـ بدا معجباً وفخوراً جداً بإنجازها كأنه يكتشفها للمرة الأولى ، حتى أنه " حسدها" على جرأة ألوان لوحاتها ، وقدرتها على استخدام تكنيك لوني قوي تنقّلت به عبر أعمالها بنجاح ... تتنهد نوار طويلاً : ( صفوان يساعدني جداً !! يحضر لي الألوان والقماش والخشب !! طبعاً ليس هذا فقط ، صفوان أثّر كثيراً في حياتي الشخصية والعملية ، هو والد أبنائي وصديقي وأول المنتقدين والمشجعين لي . بالتأكيد أثر الزواج والإنجاب ثم تربية الأطفال على ظهوري في الساحة التشكيلية ، وبالنسبة لي هناك مشكلة إضافية هي أن زوجي له موقعه في عالم الفن التشكيلي هذه ميزة أحياناً ، ومشكلة في أحيان كثيرة أخرى خاصة في مجتمعاتنا العربية ـ وعلى فكرة لاحظت وجود هذه المشكلة في أوروبا حيث عشت لمدة عشر سنوات ، إذ تعاني النساء من ارتباطهن برجال مشهورين فترتبط أسماءهن بأسمائهم !! مع الأسف ، لا تُرى المرأة هنا إلا من خلال زوجها النجم ، وثمة عبارة تزعجني كثيراً حين يُوضع إعلان عن معرض لفنانة ما ويُلحق باسمها " جدير بالذكر أنها زوجة فلان الفلاني " وكأنها هي شخصياً غير جديرة بالذكر !!!! سأعترف أنني اخترت الوقوف مع صفوان من أجل نجاحه وإكماله للدكتوراة في بلجيكا وتألقه كفنان له حضوره المهم ، وسأعترف أيضاً أن حياتي كامرأة أخذتني من حياتي كفنانة صاحبة مشروع ، لكنني وعبر السنوات العشر الماضية عملت بصمت ( كنت أطبخ ، اهتم بالأولاد ، أقوم بواجباتي الاجتماعية ، اهتم بصفوان ..... ) كان الرسم والتلوين وسيلتي الوحيدة للتعبير عن نفسي والانطلاق بأفكاري نحو ما درسته وأحببته ، شعرت برغبة في تحقيق بعض العدالة لنفسي .. وكان الرسم طريقي لتحقيق تلك العدالة ....
يصقل التعلّم الموهبة ، لكن ليس بالموهبة وحدها يبدع المرء ويتميز . اكتسبت نوار موهبتها من الطفولة ، تربت في الزمن الجميل على يدي والدها النحات الذي لم تمهله الحياة فمات شاباً في العقد الرابع من عمره ، تاركة لنوار حسرة فراقه وعدم رؤيته لها محققة حلمه بأن تصبح فنانة مميزة بحضور خاص لطالما تمناه لها ، والدها منارتها في الحياة والفن ، عنه تقول : أبي من أكثر الذين أثّروا في حياتي وخياري الفني ، في كل عمل أقوم به ، لوحة أرسمها ، معرضاً أقدّمه أو أشارك به ، لا يخطر لي إلا أبي بجانبي ، كان حلمه أن أكون رسّامة مميزة ربما استطعت أن أحقق له ذلك ، لكن لا أعرف إلى أي حد ، أراه في أحلامي أحياناً يقول بأنه فخور جداً بي ... ربّانا والدي على القيم الجمالية والأخلاق ، كانت تربية صارمة لكنها مفعمة بالحرية والاحترام ، لذلك كنت أعيش دائماً حالة حرية داخلية قمعتها الحياة المعاصرة بمبادئها المختلفة والغريبة والغير أخلاقية . لكن في عالمي الخاص ، وفي لوحاتي أعود إلى هذا العالم ، محاولة إقناع نفسي بأنني ربما استطعت تغيير العالم أو تجميله أو أصلاح ما يمكن إصلاحه فيه ... ربما يكون هذا حلماً أو وهماً ، لكنني أحاول وأعود للمحاولة في كل مرة من جديد ..... !!!
نوار ناصر
كلية الفنون الجميلة – قسم التصوير الزيتي 1987
المعارض الفردية
* صالة أرابيسك – بروكسل 1997
* صالة عشتار – دمشق 1999
* open house m.ghehabi 2003
* صالة كروكي – دمشق 2005
المعارض المشتركة
* المعرض السنوي منذ عام 1990
* أطياف عربية – مقر الأونسكو – بيروت 2001
* 40 عاماً على تأسيس الأونسكو – بيروت 2004
((نُشرت المقابلة سابقا في مجلة تايكي الأردنية2006))






