ينصّ دستور الجمهوريّة العربيّة السوريّة، في الباب الأول «المبادئ الأساسية»، الفصل الرابع، المادة 25، على أنّ:

1) الحريّة حقّ مقدّس وتكفل الدّولة للمواطنين حريّتهم الشخصيّة وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.

2) سيادة القانون مبدأ أساسيّ في المجتمع والدّولة.

3) المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.

 

4) تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

 

 

كلّ صباحٍ عند مغادرتي البيت مذ كنت طفلاً، كنت ألقي تحية الصباح على جارتيّ الأرمنيتي الأصل (بيرجوك و آرشو)، وأنتظر بصحبة أولادهما باص المدرسة ليقلّ كلاً منّا إلى مدرسته. حتى بعد انتقالنا إلى البيت الجديد، أصبّح على جارتنا الأرمنية أيضاً «سيلفا»، والتي كلّما أعدت طبقاً شهيّاً كان لنا منه- نحن الجيران- حصّة.

جميع النسوة رددن التحيّة دائماً بابتسامة مشرقة، «صباح النور»، حتى وإن كانت أحياناً بعربيّة ثقيلة، إلا أنّها دوماً أنعشت الفؤاد.

«جوزيف» البقّال في حيّنا، كم تحمَّلنا صغاراً ونحن نتسلى بمقالب يكون هو ضحيتها، وكم يتحمّلنا الآن كباراً، عندما تضيق أحوالنا، فلا نتمكن من الدفع حتى أوّل الشهر، فيجيبنا بابتسامة عندما نقول له «سجلها على الحساب».

أعود من سهراتي مع أصدقائي، غالباً مع أذان الصبح، فألتقي جارنا أبا فراس مرتدياً «جلابيته» البيضاء كالثلج دوماً، متّجهاً إلى المسجد ليقيم الصلاة، يبتسمُ لي «السلام عليكم يا جار»، «وعليكم السلام» أجيب مطمئناً.

خلال سنيّ دراستي الأربع في كليّة الفنون الجميلة في دمشق، وقد كانت الكليّة الوحيدة للفنون في سورية وقتها، قضيت أحلى الأيام مع الأصدقاء الذين قصدوها من مختلف المحافظات السوريّة، من السويداء، حلب، اللاذقيّة، حمص، ديرالزور، حماة... من كلّ مكان... من الجبل، من الساحل، من الصحراء... من المدن الكبرى والمدن الصغرى... من القرى التي يسكنها الناس الطيبون، أبواب بيوتهم مفتوحة ترحب بالجميع من أيّ مكان في الأرض جاؤوا ...

كنّا أصدقاء، كنّا إخوة... و قفنا مع إيناس خلال محنة طلاقها، مع وافي في ضعفه إثر علاقة حبّ فاشلة... ساندوني لأصير أكثر قوّة بعد وفاة أبي.

تسعدني العودة إلى البيت لأجد صديقات أمي «أمل» و «رواد» يتحدّثن في كلّ شيء، و «جاط» التبّولة بينهنّ.

جميلة لهفة أمل، وهي تسأل إنّ كنّا نريد أيّ شيء تحضره معها لنا من القرداحة، فهي ستغادر غداً تزور مسقط رأسها أسبوعاً.

حميميّةٌ تدفئ الروح زيارة رواد و أسرتها كلّ عام لنتمنى لهم ميلاداً مجيداً أو فصحاً مباركاً.

هذا بعضٌ مما عشت، كلّ يوم منذ الطفولة، مع كلّ من ذكرت وآخرين، أحبّهم و يحبونني دونما شروط، دونما تفكير. هم هنا وأنا هنا، لا فروق بيننا، وكان هذا على الدوام أكثر من كافٍ.

ألوان مختلفة؛ لكلّ هويته المستقلة، نعيش معاً جنباً إلى جنب، نتجاور باتّساقٍ بهيّ، و نتكامل مشكلين قوس قزح لا يمكن له إلا أن يبهر بجماله الجميع.

فبأيّ حقّ إذن يطلّ علينا قانون الأحوال الشخصيّة الجديد؟ من أيّ لونٍ أسود؟

و رغم أنّه لم يطبّق بعد، إلا أنّه يحمل من الدلالات ما يحمل، و يشيع من الذعر والرعب ما يشيع، و يثير من الاستنكار ما يثير!!!

ما جهدت وتجاهد دول العالم أجمع لتحقيقه من مساواة بين مواطنيها، موجودٌ لدينا منذ البداية، نعيشه دون قوانين، موجودٌ في قلوبنا بالفطرة. ما يناضلون لإزالته من كراهية يسنّون له القوانين في بلاد أخرى بعد حروب أهليّة ضروس، تأتي مسوّدة قانون الأحوال الشخصيّة الجديد في بلادنا لتكرّسه، وتعطي الأفضليّة والسيّادة للبعض على حساب الآخرين، متجاهلةً دستور الجمهوريّة والمحبّة في قلوب الناس!

قانونٌ جديد يكرّس التمييز، ويعتمد التفرقة والتجزئة، يحطّ من قدر المرأة، و يصنع أنصاف مواطنين من مواطنين تعبوا في بناء هذا الوطن كما تعب غيرهم!

قانون يتّخذ الجهل قاعدةً، فنسمع عن "اللعان" في عصرٍ الـ DNA و اكتشاف الخرائط الجينيّة!

أنظرُ حولي وأرى أننا مختلفون، نعم، نحن مختلفون و لكلّّ كيانه، مذهبه، دينه، إثنيته، ولكننا هنا سوريون، جميعنا هنا نستمتع باختلافنا و نتعلّم منه، كما كنّا دوماً، لنكون معاً قوس قزحٍ أبديّاً.

لا تقتلوا قوس قزح.

رنا زميلتي في "بلدنا" و مظفّر زميلنا في الوطن تزوجا منذ أيّام، و في العرس كانا قمرين، فرح لهما الجميع، ولا أذكر أن أحداً سأل إن كانا من نفس الدين أو نفس المذهب.