سوريا الله حاميها في لحمتها الوطنية وقبل مسودة القانون الطائفي
لطالما عملنا بشكل مجموعات نسائية سورية على اختلاف أدياننا وملبسنا وعقائدنا إلا إن ما جمعنا هو حبنا لوطننا، ولم أهتمَّ يوماً بسؤال إحداهنّ عن الإنتماء العقائدي أو الديني أو المللي، كان همنا هو: "الإنسان والوطن" والإنتماء إلى سوريا، كنت في كثير من الأحيان أصاب بحيرة عندما أُسأل عن دين أو عقيدة إحدى صديقاتي لأجيب بأنني لا أعرف.
لم أستطع أن أفرق يوماً بين مسلمة ومسيحية أو بين درزية وإسماعيلية فجميعنا نتعامل على أساس المحبة والمواطنة. لم أُفكّر يوماً أن أتعامل مع أختي الراهبة على أساس أنها من أهل الذمة وتستحق أن تدفع الجزية, ولم يخطر لي أن العلمانية التي تطالب بفصل الدين عن الدولة إنّما هي مشركة ومن المستأمنين في الأرض, ولم أحدّث نفسي يوماً بأن المسيحية هي من المغضوب عليهم أو الضالين .. كتابية أوغير كتابية ..!!
هذه الحقائق صدمتني حين اطلعت على مسودة قانون الأحوال الشخصية الصادرة عن لجنة مكلفة من قبل رئاسة الوزراء -رقم \2437\ بتاريخ:7\6\2007- والتي اعتمدت معايير طائفية جعلتني أتساءل هل كنت خارج الوطن عندما مارست الحب للجميع، وهل كانت المعاني الإنسانية التي نمارسها كل يوم غبية وساذجة عن منطق القانون السوري الجديد الذي يريد له البعض أن يبقى حبيس ثقافة الطائفة والعشيرة وتقسيم الناس إلى مؤمنين وملحدين وأهل ذمة وكتابيين وغير ذلك من معايير تهدد وحدة الوطن ووحدة الشعب السوري وترسخ مفهوم التفرقة الذي لم تعهده سوريا بين أبنائها في قوانينها ودستورها، وهو الدستور الذي أعطى حق المواطنة للجميع بغض النظر عن العقيدة والدين، إن هذه المسودة اختلفت عن مفهوم تطوير العصر وحتى عن مفهوم المساواة للجميع أمام القانون وعن مفهوم المواطنة .
هكذا تعودنا في هذا الوطن الحبيب المحمي من الله وملائكته وهذا ما ذكره لنا زيد بن ثابت رضي الله عنه حين قال:سمعت رسول الله يقول: "طوبى للشام، طوبى للشام" قلت يارسول الله: ما بال أهل الشام؟ أجاب عليه الصلاة والسلام: "الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام وأهلها"
وهذا ما تعوده أهل "الشام الشريف" من سماء الله التي تمطر من رحماتها وحبها وخيرها وكرمها، لتجعل من هذه الأرض واحة المحبة والإخاء، يعيش فيها أبناؤها كالكريستال الذهبي بمذاهبهم وطوائفهم وثقافاتهم التي تغني لوحة الوطن الواحد، وبذلك ظلت سوريا خلال التاريخ ملاذاً للهاربين من المظالم والأهوال، وكان المظلومون في بلاد الله الواسعة يشدون رحالهم إلى الشام الشريف أرض المحشر والمنشر وحين يصلون إلى الشام الشريف يقولون أولها شام وآخرها شام، إنها الأرض التي لا يظلم فيها أحد.
إن سوريا محمية بالعيش المشترك السليم والمحبة بين شعبها، والحكمة ممن هم ألو العزم فيها والولاية والأمر. فسوريا هي منارة العالم في رؤاها المعتدلة المتنورة الدينية والسياسية والإجتماعية .. سوريا منارة العرب في وحدتها الوطنية، كما أنها أرض الأنبياء، فقد ذكرت بلاد الشام في الإرث الديني الإسلامي "القرآن والسنة" ضمن عدة مواضع .. كسورة المؤمنون في القرآن الكريم, وحين قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) ، قال : هي دمشق .
إنها الآمال نفسها التي كانت في خاطر النبي الكريم يوم تطلع إلى الشام بحب وأمل وروى لأصحابه من حوله حلماً جميلاً رآه: "إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام، إلا أن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام".
وليس التفتيت المذهبي هو أسوأ ما في مسودة القانون بل إن المرأة عادت فيه قسراً إلى عصر الحريم، وأغلقت عليها مصاريع الأبواب ونالت نصيبها من الظلم والإهانة والدونية الظاهرة للنساء من سلب الكرامة والحط من شأن المرأة(الحرمة في رؤى المسودة) السورية، ولكنني أرى أنّ ما يحمله القانون من تفرقة لأبناء الوطن الواحد وشرخٍ في لحمته ووحدته يجعلنا أكثر صخباً وتذمراً لهذه المسودة.
من واجبنا أن نرفع الصوت عالياً برفض مشروع فتنة كهذا ، يستخرج أسوأ ما في التاريخ من مظالم ضد النساء، ويبشر بعودة عصر الموؤودة الذي عاش النبي الكريم سائر حياته يحاربه بكل ما أوتي من قوة
هذه المسودة التي أعدها أصحابها لتكون قانون الأحوال الشخصية الجديد تستحق بجدارة وصف (العمل السيئ) مع رفضه التام.
خاص موقع يارا صبري
منشور ايضا بمرصد نساء سوريا







