استنكاراً لجرائم الشرف..حشد من الفنانين يتضامن لمحاكمة حقيقية وعادلة تنصف ضحية الظلم والتخلف
في مفاجأة لم تتوقعها إحدى المحاكم في دمشق ووسط ذهول المارة والحضور ورجال الأمن والشرطة، تجمع حشد من الفنانين السوريين لمتابعة الجلسة الأولى لمحاكمة قاتل زهرة ليقولوا بصوت واحد إننا نقف معا لإحقاق الحق ونتضامن لنقول لا للجرائم المرتكبة باسم الشرف ولا للقوانين التي تبيح هذه الجرائم..
من هنا من قاعة المحكمة حيث يقف القاتل خلف القضبان، جلس الجميع منتظرا ما سيتلى في الجلسة الأولى لقضية مقتل زهرة ومن بين الحضور حشد كبير من الفنانين السوريين تجمعوا ليتضامنوا مع الضحية التي زهقت روحها تحت شعارات وهمية وكاذبة، يحصرها التخلف والعادات البالية والقوانين المجحفة، فقد رفض فنانينا أن يقف دورهم عند التمثيل والإخراج والكتابة والتصوير، بل قرروا أن يتواجدوا في صلب القضايا التي تمس المجتمع وهنا تفاجأ القاضي بوجود ذلك الحشد من الفنانين فالجلسة علنية ويحق لكل مواطن أن يتابع القضية التي يريدها وهم مواطنون يحق لهم ذلك ولأنهم معنيون بكل تلك التفاصيل قرروا أن يضموا صوتهم إلى المحامية التي وكلتها جمعية تطوير دور المرأة بالإضافة إلى زوج الضحية لتطالب بحق الدم المهدور للضحية ولجميع الضحايا التي سبقتها ووقف الفنانين ليقولوا لها أيضا إننا معك تابعي حتى النهاية..
ولزهرة قصة يعرفها الكثير فهي من إحدى ضحايا جرائم الشرف في سورية والتي تصل بحسب الإحصائيات المعلنة إلى 44 قضية مفصولة في السنة بأنها جرائم شرف، علما أن الإحصائيات غير الرسمية تؤكد بان الرقم أكبر من ذلك بكثير،وعودة إلى زهرة فهي فتاة لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها اختطفت من قبل صديق الأب بسبب دين له في ذمة أبيها وانتقاماً منه ..
وبعد محاولات منها وبحثها لمكان تحتمي به وصلت إلى معهد الفتيات الجانحات بدمشق... وهنا حاول الأهل قتلها بحجة الشرف الذي تلطخ وذلك بالمناورة لإخراجها من معهد الجانحات وعودتها إلى البيت ليتسنى لهم قتلها كما يشاؤون، لكن جمعية تطوير دور المرأة عملت على حمايتها وحالت دون خروجها من المعهد.
وما حدث أن خالتها وابنها زارا زهرة في المعهد وتألم ابن خالتها حزنا على ما جرى معها وتضامنا معها ومحبة لها أيضاً طلب الزواج منها وفعلاً هذا ما حصل وتم الموضوع فعلا برضا الأهل وكان الأب ولي أمرها في عقد الزواج حيث تم الزواج بصورة شرعية قانونية وبموافقة الولي وبمهر محدد منه.. وهكذا خرجت زهره من المعهد بعد تعهد الأهل بعدم التعرض لها.. كما تم الزواج وأقيم حفل العرس وحضره الأهل والأقارب أيضاً..
والكارثة انه وبعد شهرين من زواجها زارها أخوها بقصد مباركة زواجها وتقديم هدية لها فاستقبلته بترحاب وبات ثلاث ليال في منزلها وفي اليوم الثالث وبعد مغادرة الزوج المنزل صعد إلى غرفة نومها وقتلها وقطع أوردتها بدم بارد.. زهرة نزفت حتى الموت..وهرب الأخ الذي حمل في جعبته دم أخته وعقلية مجتمعه وغادرت زهرة الحياة منضمة إلى قافلة الضحايا التي لم تتوقف ولن تتوقف إذا لم تأخذ العدالة مجراها في القصاص والمساهمة في تغيير العقلية المجتمعية بدءا من تغيير القوانين التمييزية.
أما الفنانين وفي سابقة من نوعها انضموا إلى قاعة المحاكمة معبرين عن قلقهم ورفضهم لقانون يعطي للقاتل عذراً محلاً أو مخففاً فيعفيه من العقوبة ويشجع على ارتكاب الجريمة والضحايا تنزف جراء المواد القانونية والعقلية التي تسوغ القتل بحجة الشرف وتخفي وراءها قصص كثيرة عرفها المجتمع وصمت عنها.
وهذا ما أكده الفنان (سليم صبري) بقوله أن هذه القوانين حالة غير إنسانية وهي تناقض مبدأ العدالة فالقتل هو نفسه مهما تعددت الأسباب وإزهاق الروح لا تحل لأحد فالعدالة هي التي يجب أن تأخذ مجراها في بلاد تؤمن بالإنسانية والعدل وتابع يقول: يجب أن تواكب القوانين الحضارة والمفاهيم الإنسانية وتتطور مع تطور الإنسان وتقدمه، أما زهرة فهي ضحية مرتين عندما اغتصبت وعندما قتلت والخوف أن تصبح ضحية مرة ثالثة إذا لم ينصفها القانون.
أما (يارا صبري) فقد كانت متابعة لقصة زهرة منذ البداية كما تابعت الكثير من القضايا المتعلقة بجرائم الشرف ومن هذه الجلسة خرجت تؤكد مرة أخرى تضامنها مع إلغاء هذه الجريمة وإلغاء القانون الذي يحمي القاتل وقالت: بمعاقبة الجاني ستنصف زهرة وستسترد معها ضحايا جرائم الشرف قليلاً من حقهم ولأن للفنان دور في التغيير فاني أرى أن هذا واجب على كل فنان بدءاً من الأعمال التلفزيونية انتهاءً بالعمل على أرض الواقع وكلنا أمل بأن القضاء لن يصمت هذه المرة، فربما ستكون زهرة بداية الغيث.
وبدورها استنكرت الفنانة (ليلى جبر) وجود هذه القوانين التي تكافيء القاتل وأكدت أنها ستقف إلى آخر لحظة لتدعم إلغاء هذه المواد القانونية والتي طالبت بها الحكومة نفسها من خلال ملتقى جرائم الشرف وقالت: يجب إلغاء جميع القوانين التمييزية ضد المرأة وهذا حق لنا كنساء وأبناء هذا المجتمع ومواطنين فيه.
ومن بين الفنانين كانت (سلافة معمار) التي صممت على القدوم لمتابعة الجلسة الأولى للمحاكمة بالرغم من الانشغال الكبير لكن لهذه القضية الأولية فهي قضية حق وقالت: ليس من حق أي أحد أن يقتل في بلاد تؤمن بالعدل فهو قبل كل شيء والقوانين الظالمة يجب أن تتغير لأن المجتمعات كلها في تغير دائم، أتمنى أن يكون لوجودنا معنى في هذه القضية.
ووصف الفنان (ماهر صليبي) هذه الجرائم بأنها جرائم بشعة وغير مبررة مهما كان سببها وقال: لا بد أن تأخذ العدالة مجراها في الاقتصاص من القاتل ..و الفنان مسؤول ككل الفئات المثقفة بالمجتمع في أن يعبر ويعمل على تغيير كل العادات والتقاليد البالية والمتخلفة ..
وهذا ما رآه الفنان (قيس الشيخ نجيب) حيث قال:إن القتل هو فعل شائن وغير مبرر وهو محرم بكل الشرائع السماوية حتى في هذه الحالات.. وان المغدورة زهرة تزوجت وبالرغم من ذلك فقد قتلت وهو أمر لا يمكن تبريره ومرفوض وان على الفنان أن يحمل رسالة اجتماعية ويقدم دوره في المجتمع كونه شخصية محبوبة عند الناس وكونه مؤثر لدى الكثيرين ومن خلال حضور اعبر عن رفضي لهذه الجرائم المرتكبة بذريعة الشرف.
أما الكاتبة (كوليت بهنا) والتي لم تخل كتاباتها من الدخول إلى تفاصيل الحياة في مجتمعاتنا ونبذ القوانين التمييزية ضد المرأة وكذلك الظلم في المجتمع في جميع أشكاله، وقفت بصمت ترقب نظرات القاتل الضحية أيضا لعقلية مجتمع ذكوري اجبره على القيام بأصعب ما يمكن للإنسان فعله وهو القتل وخاصة أنها أخته المفضلة إليه والأقرب له بالسن، وقالت: هنا دور الكاتب والفنان أن يسلط الضوء على القضية بمجملها وكليتها وتفاصيلها فيرى الأمور من كافة الجوانب ليساهم في التغيير، وأكدت: عندما ينفذ العدل الجميع هم الضحايا.
وبالنسبة للجلسة فقد أجّلت إلى يوم لاحق لغياب محامية المتهم، وغادر الفنانين المحكمة ومعهم لفيف من الإعلاميين والمهتمين. وكلهم أمل بأن يسمع صوتهم.
خاص - الأبجدية الجديدة







