محمد كحالة الشاب المميز الذي يعاني من الاعاقة العقلية كسر كل تلك القوالب التي رسمت في اذهاننا عن مفهوم الفشل.. لانه نجح تماما في ان يكون فارسا وسباحا ورساما ومصورا ..والاهم من ذلك كله شابا لطيفا مهذبا ومرتبا تستقبلك بسمته عندما يراك وترافقك طوال تلك الجلسه كلماته اللطيفة وعباراته المهذبه..انه ببساطة ودون أي مبالغه جنتل مان.. وهذا ان كان يعود الى سبب فهو يعود بشكل مباشر الى والدته السيدة رولانا هاشم.. السيدة التي دفعته دائما الى الامام وخلقت لديه العزيمة والارادة ليصل الى ما وصل اليه..

pict0071.jpg - 26.17 Kb

 

 

 محيط دافء ومحبة..

 

حمودة اراد ان يرحب بي بطريقة مختلفة فقرر ان يعزف لي مقطوعة موسيقية على البيانو.. وكانت لبيتهوفن.. بيتهوفن عبقري عانى من اعاقة سمعية لم تثنه عن اكمال دربه ايضا.. ! لم اعرف اكانت صدفه ان تكون تلك المعزوف هام كانت رسال غير مقصودة تؤكد لي ان الاعاقة ليست الا مشكلة مثل كل المشاكل لكنها ابدا لن تكون حائطا في وجه الابداع ان اراد ان يتسلل الى الخارج ويعبر الى قلوبنا كما عبرت انغامه تماما عندما سمعتها...
جلسنا في صالون زينته من كل الجهات تحف ولوحات صنعتها ايد حموده.. وزينته ايضا مشاعر دافئة انبعثت من ذلك المكان .. مشاعر اسرة مترابطة ومحبة ام واب واخوات .. كلهم يحبون حمودة ..كلهم يحترمون حمودة.. كلهم باختصار ..عظيمين..!

pict0076.jpg - 27.09 Kb
حموده كما تناديه امه.. او ..محمد كحالة وهو اسمه الذي نعرفه به.. هو شاب مميز تلقى عناية مميزة من سيدة عظيمة..سيدة تستحق فعلا ان تكون قدوة ومثلا لكل من اعطاهم الله هدية مثل حموده.. بل تستحق ان تكون مثلا لنا كلنا..نحن الذين قد نشعر بالضعف امام ابسط المواقف واتفه الاشياء.. إنها  رولانا هاشم تحكي لنا عن تجربتها من خلال الحوارالخاص الذي اجرته معنا لموقع يارا صبري..

عطاء.. بين الواجب والمسؤولية..!
لم افكر يوما ان ما ابذله اتجاه محمد  من عناية هو امر غير عادي لانني اراه واجبي كأم ..اشعر بانني مسؤوله اتجاهه فانا لا ارغب بان أراه مختلفا عن الآخرين.. وبالتالي أي نشاط شعرت بأنه يمكن أن يساهم بتطوره كنت  اندفع إليه دون تردد .. قد لا انجح في كل ما احاوله معه هذا صحيح .. صحيح أيضا أن هذا قد يسبب لي بعض الضيق ولكنه بالطبع لن يسبب لي الاحباط

القصة منذ البداية:
حين ولد محمد لم اعلم بان لديه تلك المشكله .. زوجي والاطباء اخفو عني تلك الحقيقة حتى بلغ محمد السنة والنص لانني بدأت الاحظ تأخر مشيه.. حينها اخبرني زوجي بمشكلته.. الخبر كان مؤلما لكنني حقيقة وبفضل من الله استوعبت تماما ماذا يعني ذلك.. كان يعني بالنسبة الي ان لدي طفل بحاج الى ان ابذل كل ما لدي من طاقه لادفعه نحو الافضل.. امنت به و وبان الله سيساعدني على ذلك.. محمد كان هدية الخالق الي ولا بد ان الخالق لن يتركني عاجزه في ان ادفعه الى الامام .. وهذا ما حصل فعلا .. فالفترة التي اصبت خلالها بالاحباط لم تتجاوز الخمسة عشر يوما بدأت بعدها بالعمل معه .. لم يؤمن والد حموده بأن هناك جدوى من كل ما اقوم به.. ولكن هذا لم يثنيني عن ارادتي في دفع ولدي الى الامام و جعل الفرصة اكبر له ليتطور
بالرغم من تفرغي شبه التام اليه فانا لم اهمل جوانب حياتي الاخرى ولا اولادي الاخرين كنت استطيع ان انظم وقتي بين الجميع .. وان اهتم بنفسي حتى لا اشعر بالتعب ..
همي الاكبر كيف اصنع منه شخصا مقبولا اجتماعيا.. كيف اعلمه قواعد السلوك واصول العلاقات مع الاشخاص.. كيف يكون شخصا نظيف المظهر مرتب انيق لطيف.. هذا كان همي منذ طفولته وهذا ما عملت عليه لفترات طويله لان هذا ما سيميزه سانسان وسيقربه من الاخرين ويجعله اقدر على التكيف مع المحيط .. هذا هو الذكاء الحقيقي فن التكيف مع الاخرين.. ان يكون واثقا من نفسه قادرا على التواصل
معرفتي بمشكلة الاعاقة العقلية التي يعاني منها لم تجعلني اقف جامدة معرفتي وادراكي لها جعلني افكر مليا.. كان هذا يعني بالنسبة الي خطة جديدة لحياتي.. لان مهمة هامة كتبت لي .. مهمتي كانت ترتب مجهود من نوع خاص وامل وايمان في هذا الطفل وهذا ما حصل.. دفتر صغير رافقني منذ ذلك الحين..دفتر سجلت عليه كل تلك اللحظات السعيدة والحزينة لكل تلك الصور.. طوال تلك الرحلة التي بدأت معه دفتر يختزل الكثير رغم بساطة كلماته اسلوبه ..
كنت احب ان اقوم بكل شيء بيدي فيما يتعلق به حتى ملابسه كنت اغسلها بيدي.. كنت ادربه دائما على المشي واجري له تدليكا لعضلاته.. كان الجميع يحبطني..حتى بعض الاطباء..
بدأت ادربه على الكلام.. كل يوم وبكل لحظة كان يكون معي كل حركة لي في البيت كان يرافقني كنت اكلمه طوال الوقت ادله على الاشياء اعلمه على الاسماء اعيد الكلام مرارا وتكرارا حتى بدأ بالكلام فعلأ..
رغم انني كنت عصبيه الا انني كنت معه هادئة محبتي له كانت تجعلني اتحمل كل الصعوبات من اجل تدريبه..
كنت اجعله يرافق اخوته الى كل النشاطات تدريب السباحه والالعاب كل شيء..
وعندما كبر اكثر وبدأ اخوته يتادون المدرسه وغم علمي بأن ذهابه معهم الى المدرسة قد لا يفيده كثيرا فيما يتعلق بالتعليم ولكنه يفيده بشكل حقيقي ليتكيف ويندمج مع الاخرين وخاصة اقرانه..
استمر ذلك عدة اعوام.. الى ان أصبح بالتاسعة من العمر حينها بدأ الأطفال يزعجونه وصار الذهاب الى المدرسه يشكل عبئا حقيقيا بالنسبة اليه.. فقد شعر باختلافه وعجزه عن اللحاق بالاخرين.. ولم يعد يرغب حقيقة في الذهاب الى المدرسه..حينها توقف عن ذلك وبدأت انا بتعليمه بالمنزل.. كان هذا صعبا للغاية.. ولكنني ومن خلال الصبر والارادة وخلال اعوام تمكنت من جعله يقرأ ويكتب رغم وجود مشكله في اللفظ لديه.. لكنه تمكن اخيرا من القراءة
اتذكر اللحظة الاولى التي قرأ بها كنت اكرر له الحروف والجمل مرات ومرات دون ان يستجيب.. فجأة وبعد انتظار طويل امسك بالكتاب وقرأ لم اصدق ما سمعته اذني.. حموده يقرأ كان الجميع عداي يشك في قدرته على ذلك ولكنه حطم كل الشكوك وقرأ.. وصار يتطور قليلا قليلا مع الايام وتتحسن قراءته  شيئا فشيئا..
كلما سمعت عن نشاط جديد دفعته اليه.. و حتى انني استفدت من تجاربه ..مثلا بدأت ارسم لكي يرسم مثلي دائما كان يقلدني.. وعندما قطع شوطا في ذلك توقف لكي اخلق لديه اسلوبه الخاص..
بدات بعدها في التصوير الضوئي فقام بتقليدي.. شجعته وقام بتجربته الاخيرة مع السيدة ذكاء كحال حيث تدرب واقام  ضمن مجموعه معرضا وهو الان يستعد لاقامة معرض اخر ايضا..
 الصور التي يصورها محمد مميزه صارت لديه عين فنية تميز اللقطات الجميلة وزاوية الضوء المناسبه..
تعلم البيانو وهو يعزف ويقرأ النوته ايضا.. تعلم السباحه منذ طفولته  وتعلم  الفروسيه والرسم والتصوير الضوئي ..واحب كل ذلك وتعلق به..

حموده بدأ يكبر..! حاجات .. عواطف وعوائق..
حموده بدأ يكبر.. ودخل ككل من بعمره في سن المراهقة.. بعمر الخامسة عشر بدأ يحضر صورا لمطربات وفتيات ويريني اياها.. لم اقمعه تصرفت بشكل طبيعي..وبدأت اشغله بنشاطات كثيرة تملأ يومه وتدفعه للتفكير باشياء اخرى بعيدا عن تلك المشاعر والحاجات التي بدأ يشعر بها.. وهنا صرت اراقبه اكثر وانبهه اكثر الى ما يجوز وما لايجوز ..وصرت اخاف عليه اكثر من السابق ولكنه لم يبتعد عن عيني للحظة..
المشكله لم تنته هنا لانه وبعد حضوره للعديد من حفلات الزفاف وعندما كبر اكثر صار يشعر بالحاج الى الزواج.. وبدا يعبر عن ذلك ويطلبه.. هنا كنت في حيرة من امري ولكنني فكرت فعليا في البحث عن زوجة له.. والده رفض الفكره ومع هذا صرت ابحث عن زوجه فكرت في البدايه في تزويجه بفتاة مثله.. ولكن هذا يعني ان تتحول مسؤوليتي اتجاه محمد الى مسؤوليتي عن شخصين..ثم انني لم اكن اضمن المستقبل في حال توفيت من كان سيعتني به من كان سيحقق لهما الامان.. ولم اكن اريد تحميل اخوته اعباء اضافية..
فكرت حينها في تزويجه بفتاة طبيعية.. ولكنني ايضا كنت اخشى من ان تجرح مشاعره في السر..في ان لا تتحمله.. وكنت اخشى عليه من كل شيء..
كنت اعلم انه ان تزوج لن ينجب اطفال فالاطباء قالوا لي ان الذكر الذي يعاني من تأخر عقلي (منغولي) قد لاينجب بعكس الفتاة التي مثله..
هنا شعرت ان خطوة تزويجه ليست صائبه فبدأت اقنعه بالعدول عنها وبدأت اشغله اكثر واملأ يومه بالنشاطات..
وصار يداوم في مكتب ابيه المهندس.. ويتلقى الاتصالات ويعمل كمدير للمكان وصرنا نشجعه على ذلك..

الى من يهمه الامر:
الاشخاص الذين يشبهون حموده هم اشخاص طيبون للغاية وهم اشخاص يستطيعون التطور والتكيف بان يكونوا محاطين بالعاطف والعناية والمحبة.. بان يلقوا اهتماما وتدريبا.. بأن يزجوا بنشاطات مختلفة.. وهذا لا يتطلب دخلا مرتفعا بالضرورة
فالمحبة والعناية لا تحتاج الى النقود.. القصة تتطلب ايمانا وصبرا وارادة و اصرارا.. هكذا كبر حموده وهو الان بالنسبة لي مثلما كان منذ ولد هدية غالية من السماء احبها واقدرها

بقلم رولا نا هاشم:  بعد حين..
سألتني يا حبيبي عن..
فقلت لك حتى تبلغ الثلاثين.. ما اراك الا وتستعجل الايام.. لماذا؟
والله ستأتي .. هذا حق ويقين.. طالبت بحق.. ناله قبلك الالاف والملايين
لا تسالني متى وكيف..؟
فانا نفسي لا اعرف
هذا سؤال في صدري منذ زمن دفين
اتوسل اليك
لا تطرح لا تجمع..
اعرف انك تريد ان تقرب السنين
تريد ان تتزوج؟
باذن الله ستتحقق امنيتك.. لكن...... بعد حين.

 

ريما فليحان
خاص موقع يارا صبري
يسمح بالنقل شرط الاشارة للمصدر