حزن هنا وفرح هناك
كلنا شركاء 10/1/2010
ودّع العالم عاماً بكل أحداثه السلبية والإيجابية، واستقبلوا عاماً جديداً بتمنيات تحقيق السلام والمحبة والآمال العريضة في تحقيق طموحاتها في مستقبل أفضل، وذلك وسط أجواء احتفالية امتدت فيها مظاهر الزينة ومشاعر البهجة والفرح لتغمر مختلف أرجاء المعمورة.بينما ودّعت غالبية البلدان العربية والإسلامية عاماً وسط مشاعر الأسى والحزن والفجيعة على ضحايا سقطوا، أودت بهم عمليات القتل والتفجير المتنامية لاسيما في الصومال والعراق واليمن والباكستان وأفغانستان، وفتاوى تكفّر الأخر وتحرّم المشاركة في الاحتفال بعيده أو حتى تهنئته حتى لو كان الأمر على سبيل التودد أو المجاملة، لتستقبل عاماً جديداً على أمل أن تغيب عنه مظاهر القتل والدم وكذلك الفقر والتخلف، وأمنيات وأماني بالفرح والسير في مجرى التطور الحاصل في العالم واللحاق به .
فمازالت معظم إن لم نقل جميع البلدان العربية والإسلامية تعيش حالة استثناء في مجرى التطور الذي يعيشه العالم اليوم، ومازالت عصية أمام التطور والتقدم الذي يجري في بقية العالم ليزداد الفارق الحضاري والعلمي اتساعاً بينها وبين الدول التي تسير قدماً إلى الأمام قاطعة أشواطاً كبيرة في مسيرة التطور والتمدن الحضاري. بينما لازلنا نبحث عن طريق نهتدي من خلالها إلى حل يساعدنا في تقليص ذلك الفارق وردم الهوة الأخذة في الاتساع بننا وبين شعوب الدول المتطورة والمتقدمة، وكيف لها أن نهتدي؟ ونحن أسرى ماض مازلنا نتغنى ونفتخر به بعيداً عن واقعنا المزري الذي نعيش فيه ونشكو منه، ونضع اللوم في ذلك على العالم المتقدم ونحمّله ما آلت إليه أوضاعنا المأساوية التي نعيشها.
تُرى هل صحيح أنه في الغرب كُتبَ عليهم البهجة والفرح، بينما كُتب علينا الأسى والحزن؟ سؤالٌ سخيف بلا شك، ولكن دافعي إلى هذا السؤال هو أنني منذ وعيت على هذه الدنيا منذ تسعة وأربعين عاماً، وأنا أرى مظاهر الحزن والشقاء تخيّم على الناس من حولي وعلى نفسي أكبر بكثير من مظاهر الفرح والابتهاج. وكيف لمظاهر الفرح أن تخيّم على الإنسان في البلدان العربية والإسلامية وهو يقضي عمره لاهثاً وراء لقمة العيش؟ وكيف للفرح أن يأتي لعائلة لم تنجب ولداً ذكراً ؟ وكيف لها أن تفرح إذا كان لديها أولاداً من الإناث الكثير، حتى أصبح يقال "هم البنات للممات"؟ وكيف لنا أن نفرح جميعاً بعد أن أصبح الفرح والابتهاج في بلادنا العربية والإسلامية ينتقص من قدر إيماننا بالله بنظر البعض؟ حتى تحولت أعيادنا إلى مناسبات لزيارة الموتى في القبور ليس أكثر، كل ذلك بفعل ثقافة الرعب والخوف التي تجذرت في بلداننا منذ مئات السنين وترسخت في رؤوسنا لا في عقولنا التي مازالت مغيبة منذ أن أحرقنا كتب الفيلسوف ابن رشد. فهل سيبقى فينا متسع لفرح أو ابتهاج في ظل انتشار تلك الثقافة التي نشرت في نفوسنا مفاهيم تقوم على التكفير والتخوين والتسلط والفساد والإفساد...الخ؟
لازلت أذكر عندما كنت في الصف الخامس الابتدائي في العام 1972 وكان عمري وقتذاك حوالي عشر سنوات عندما سأل زميلي في الصف الأستاذ سؤلاً غريباً "من هو الرب؟" فسأله الأستاذ ولماذا تسأل؟ فأجاب التلميذ قائلاً :" مبارح قال لي زميلي بعد أن تشاجرت معه إن الرب سوف يقتلك " فضحك الأستاذ، ثم قال جملة قصيرة لكنها بالغة الدلالة " الرب لا يقتل أنه محبة وفرح" ثم أخذ يشرح لنا معنى المحبة والفرح .
ومنذ ذلك الوقت رسخت في ذهني فكرة "أن الرب ..الله.. الإله .. هو محبة وفرح" وعلينا أن نكون كذلك على صورته ومثاله وأن نعلم أولادنا على المحبة والفرح منذ الصغر ومتابعة ذلك في المدرسة والجامعة و..و..، لا أن نتركهم عرضة لفتاوى البعض الذين يتاجرون بالدين ويحتلون الفضائيات للترويج لفتاويهم الملغومة التي يحشون فيها عقول الناس، والأخطر من ذلك هو ما يجري في المدارس الدينية وحتى مدارس الدولة حيث يتم تنشئة الصغار وتعليمهم، وحشو أدمغتهم الصغيرة بالمعلومات الملغومة، التي يصعب تغييرها عندما يكبرون، لذلك نجد أن أصحاب الفكر المتطرف والغيبي يسعون دائماً إلى التغلغل في المدارس والجامعات وصولاً إلى السيطرة على كامل المؤسسات التي تُعنى بشؤون التعليم والثقافة خاصة التعليم الابتدائي ، فكما هو معروف يتشكل عقل الإنسان وتفكيره منذ الصغر، وما يتشكل في عقل الطفل الصغير سيصبح من الصعب تغييره عندما يكبر ويصبح شاباً ثم رجلاً، حتى وإن تغير، إلا أن الأفكار التي تم حشوها في عقله وهو صغير ستبقى قابعة في لا وعيه كجزء من بنية أساسية لا يمكن نزعها ستظهر إلى العلن في ظروف مناسبة وملائمة لها.
لذلك لم يعد أمامنا من مفر إذا أردنا أن نفرح ونبتهج مثل بقية العالم، سوى إجراء تداخل جراحي عاجل لأنظمة التعليم بما يضمن تحويلها من نُظم تقوم على الحفظ والتلقين إلى نظم تقوم على السؤال والشك والنقد، ومن نُظم تقوم على التقليد والإتباع إلى نظم تقوم على الابتكار والإبداع.وأن يترافق ذلك مع إشاعة ثقافة الحوار وحرية الفكر والتفكير وحق الاختلاف في الرأي، بديلاً عن ثقافة العنف و التهميش والتغييب والإقصاء. وتحرير العقل من كلِّ قيوده، ليمضي في أفقه الواعد، متحررًا إلا من القيم الروحية والأخلاقية التي تأخذ في الاعتبار التنوع الإنساني الخلاق، وإلا من التزامه مبدأ المُساءلة الذي يُخضِعُ له كلَّ شيء، بما في ذلك العقل الذي لا يكفُّ عن مُساءلة نفسه قبل مُساءلة غيره، أو حتى في فعل مُساءلة غيره






