قبل ساعة الصفر..
| بوح الياسمين |
دخلت إلى غرفتها مسرعة.. رمت بكتبها بعيدا عنها..
بدلت ملابسها وانسلت إلى فراشها ليس بدافع النوم.. وإنما للهرب من عيون كل من حولها..
وبدأ العد التنازلي على منعطف خطر في حياتها, قبل ان تحين ساعة الصفر..
مضى بعض الوقت قبل ان تترك أختها الغرفة..
سارعت إلى خزانتها.. فتحتها.. وأخذت تفكر ماذا ستصطحب معها إلى حياتها الجديدة.. وخاصة أنها لا تستطيع ان تحمل حقيبة تثير الريبة أثناء خروجها من المنزل صباح الغد
وقعت عيناها سريعا على أول ملابس ارتدتها ساعة التقيا لأول مرة..
أخرجتها لتلبسها في الصباح..
ماذا عليها ان تأخذ أيضا من ملابسها..
وضعت ثوبا للنوم في الحقيبة, ثم سارعت بإخراجه.. ماذا لو دفع الفضول أختها لتتفحص سبب سماكتها..
واكتشفت لاحقا بعد بحث بين أغراضها, ان عليها أن تخرج بالثياب التي عليها كونها غير قاردة على إخراج أي شيء أمام عيني والدتها وإخوتها..
عادت إلى المرآة , رفعت خصلات من شعرها ونظرت إلى وجهها الخائف والقلق مع قسمات من سعادة خجولة تخشى ان تفصح عن مشاعرها..
ستأخذ حماما هذا المساء.. وسترتب هذا الشعر كما يحبه دائما مرتبا منسدلا على كتفيها..
فتحت درجا صغيرا أسفل المرآة.. وأخذت عقدها الذهبي الذي أهدته لها والدتها ساعة تخرجت من الجامعة.. وسوارا.. وخاتما..
وضعتهما في حقيبتها مع دفتر حسابها الذي يحوي مبلغا بسيطا لكنه سيساعدهما ولابد في بداية حياتهما معا..
ودست بعض الأوراق الرسمية الخاصة بها.. وضعتهم جميعا في مكان واحد..
ابتسمت خلسة عن خوفها القلق, فغدا ستحقق حلمها في الارتباط بمن أرادت ان تكمل معه حياتها, بعيدا عن أي موافقة من الأهل..
تذكرت فجأة هول ما ستقدم عليه.. فغدا ستخرج صباحا كما هي العادة إلى عملها..
وعندما تحل الساعة الرابعة (موعد عودتها من المنزل) سيكون لزاما عليها تلك المواجهة القاسية مع والدتها على الهاتف لتخبرها بأنها تزوجت بعد طول عناد غير مبرر.. وستتلقيان معا ضمن صدمة واحدة..
وسيكون ذلك أهون عليها من مواجهة والدها.. بل بكل أنانية ستترك لسعة صدر والدتها ان تتلقى وحدها الغضب
اجتاحها القلق من جديد تجاه أمها.. ودت لو تذهب إليها.. تأخذها في عناق طويل.. وتخبرها بأنها تحبه.. ولا تريد ان تسبب لها الحزن او الألم..
لكنها سنة كاملة من عدة محاولات فاشلة معهم ذهبت سدى مع تلك العقلية العنيدة التي تقتات على أسباب واهية في الخلاف بين طوائف تعتنق دين واحد..
على العشاء..
احتست كوبا من الشاي مع عائلتها.. ولم تكن قادرة على مضغ لقمة واحدة.. كما عيناها الغير قادرتين على النظر إلى أي من أفراد أسرتها..
عادت إلى سريرها.. ممسكة بكتاب.. مدعية القراءة.. لتمضي ليلة كاملة في حسابات متزاحمة من الحب والكراهية.. الفشل والنجاح.. الحب والتخلف..
وفي النهاية وحدها ستختار طريقها منفردة ولن يكون احد أفراد عائلتها قربها في مشوارها الجديد..
لن يكون لها احتفالا.. ولازفة..
لن تخرج بثوب ابيض..
وقد تخسر هذا المنزل وتلك الوجوه الدافئة إلى الأبد..
لكنهم طبعا لن يفكروا يقتلها..
هل؟..
....
هي ستتزوج.. من رجل مميز تحبه.. وكما يتزوج الجميع..
في الصباح...
كانت على وشك الخروج قبل ان تستوقفها والدتها..
هل ستذهبين بدون فطور؟
لا اشعر بالجوع...
ساد بعض الصمت.. قبل ان تكسره الأم بسؤالها :
- ماذا معك في هذا الكيس الكبير؟
انه فستان لصديقتي ستستعيره مني اليوم..
- ابقي لنشرب القهوة معا..
سارعت بفتح الباب دون ان تنظر بعيني أمها:
لقد تأخرت اليوم..
عانقتها سريعا.. وكم رغبت لو تبقى على كتفيها ساعات طويلة..
وخرجت مسرعة تخشى لتلك الدموع التي وقفت عند مجرى دمعها ان تفضح هروبها..
كانت تعلم بأنها تدخل في طريق جديد.. وعالم آخر.. ستعتمد فبه على نفسها وحبيبها..
وكانت دائما تستبعد ذلك السؤال التي يلح على ذاكرتها حاضرا..
ماذا لو لم تنجح حياتها معه؟؟؟
....
بوح الياسمين







